النووي
274
المجموع
وأما إذا لم يكن له مال وقال : أنا معسر وكذبه الغريم نظرت ، فإن حصل بمعاوضة كالديون التجارية وهي تختلف في عصرنا هذا عن الديون المدنية ، وهي في عرف الفقهاء أعني ديون المعاوضة مثل البيع والسلم والقرض فتشمل الديون المدنية والتجارية ، أما غير المعاوضة فهي الديون الجنائية ومهر الزوجة ، أقول إذا كان الدين من الصنف الأول ، وأنه قد صرف له قبل ذلك لم تقبل دعواه أنه معسر ، لأنه قد ثبت ملكه للمال ، والأصل بقاؤه ، فلا نقبل قوله في الاقرار ، بل يحبسه الحاكم - وهو ما يعمل به في المحاكم والوضعية من الحكم بالسجن على المتفالس ، الذي يأخذ أموال الناس وبضائعهم ويدعى الافلاس فيسقط اعتباره ويسجن إلى خمس سنين - فان قال : غريمي يعلم أنى معسر أو أن مالي هلك . فان صدقه الغريم على ذلك خلى من الحبس . وإن كذبه حلف الغريم أنه ما يعلم أنه معسر أو ما يعلم أن ماله هلك وحبس من عليه الدين ، فان أراد أن يقيم البينة على الاعسار لم تقبل إلا من شهادة شاهدين من أهل الخبرة والتحقيق واستقصاء أوجه الدخل والخرج كمحاسبين أمينين وهذا هو نصهم " من أهل الخبرة الباطنة " فإن كانت البينة من أهل الخبرة الباطنة سمعت . وقال مالك رضي الله عنه : لا تسمع لأنها شهادة على النفي فلم تقبل . دليلنا حديث قبيصة بن المخارق الهلالي عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا قبيصة بن مخارق لا تحل المسألة إلا لثلاثة ، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك ، ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى شهد أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن به حاجة ، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما " وما ذكر من أنها شهادة نفى غير صحيح ، لأنها وإن كانت تتضمن النفي فهي تثبت حالا تظهر ويقف عليها الشاهد كما لو شهد أن لا وارث له غير هذا . وان أراد أن يقيم البينة على تلف ماله ، قبلت شهادة عدلين سواء كانا من أهل الخبرة أم لا ، لان التلف أمر يدركه كل واحد من خلطائه أو المباشرين له أو من كانوا من المال عن كثب ، كأن كانوا عمالا عنده أو عند جيرانه أو مالك